بقلم: لطيفة زباري
يقدّم لنا الكاتب المصري عزت القمحاوي عرضًا نقديًا فريدًا في كتابه «الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر»، يوازن فيه بين فن الطهي وفن الكتابة الأدبية؛ إذ يصحبنا بأسلوب رشيق وذائقة نقدية لافتة في رحلة ممتعة تتجاوز حدود الورق، ليقيم جسرًا فريدًا وغير مسبوق بين الحرفتين، متخذًا من الحواس وثيقة أنثروبولوجية لإعادة بناء الذاكرة الإنسانية العميقة. فالكتابة والطبخ -في نظره- ليسا مجرد مهارات أو تقنيات تُكتسب بالمران، إنما هما فنان نابعان من عمق الروح البشرية المبدعة، وأدوات أزلية لاستئناس البشر ببعضهم عبر التاريخ.
الشعر حلوى والرواية خبزٌ يومي
يبدأ القمحاوي بمقارنة ذكية تلامس بدقة متناهية جوهر الأجناس الأدبية وعلاقتها بالوجود الإنساني؛ إذ يشبّه الشعر بالحلوى التي تحكمها معايير رفيعة وتُصنع بمقادير دقيقة جدًا، حيث يمكن لتغيير طفيف أن يفسد المذاق والمعنى معًا. ومن هنا، يقارب الشعر في دقته وكثافته العلوم الحقيقية، ليكون رفيق اللحظات الاستثنائية، ومجليًا مرارة الأيام بدهشات خاطفة.
وفي المقابل، تقف الرواية لتمثل الخبز؛ ذلك القوت اليومي الذي يُستهلك في كل الأوقات، بقدرتها الفائقة على استيعاب الفنون الأخرى في جوفها. فالرواية تتسع لكل تفاصيل الحياة، تُعجن من صراعات الواقع، وتتخمر في وعي الكاتب عبر زمن ممتد، ثم تنضج على نار الأحداث لتشبع نهمنا الأزلي لفهم الحياة ومتاهاتها. ومثلما تحقق الطبخة استقلالها عن عناصرها النيئة وعن الأطباق المماثلة التي يقدمها طهاة آخرون، تحقق الرواية استقلالها عن الحياة الواقعية وعن النصوص الأخرى التي تتناول ذات الموضوع، مستمدة تميزها من الروح الفريدة لكاتبها.
الطعام والهوية: ثنائية المتعة والفائدة
تتجسّد العلاقة بين الطعام والهوية بشكل فني وعميق في الأدب، ويستخدمه الكاتب كرمز للتواصل والتعبير عن المشاعر، والذكريات، وتجارب الحياة؛ فالطعام يمكن أن يكون أداة للحوار الثقافي بين الشعوب، يسلط الضوء على الاختلافات والتشابهات في العادات الغذائية وأثرها في تكوين الهوية الثقافية.
وهنا، يحقق المؤلف شرطي المتعة والفائدة معًا، إذ يرفض قراءة الأدب بالعقل وحده دون الحواس، ويتنقل ببراعة فائقة وسلاسة بين مستويين:
المستوى الذاتي: حيث يعود إلى ذاكرته الشخصية ومشاهده الحميمة والدافئة في رصد الأمكنة.
المستوى الموضوعي: الذي يتجلى في التحليل الثقافي العميق والنقد الأدبي الرصين.
القمحاوي «محللًا للنكهات» في عوالم الكبار
يفتح هذا العمل نوافذ على عوالم أدبية كبرى، يتحول فيها القمحاوي إلى «محلل نكهات» بارع، يفكك مهارة الكتابة بوصفها وصفة إبداعية سرية سكب فيها المبدعون أرواحهم. فنتنقل معه بين أروقة التاريخ ومطابخ الحكاية:
• حيث نتذوق في عوالم نجيب محفوظ رائحة الحارة المصرية، وتُصنع أقدار الشخصيات على مهل. يغوص القمحاوي في بنيتها اللغوية ليكشف الفروق الدقيقة بين رواية وأخرى؛ فهو يرى أن اللغة عند محفوظ ليست ثوبًا جاهزًا يرتديه الجميع، إنما هي كالمقادير التي تُفصّل بدقة؛ تمنح ولاءها الكامل لكل شخصية، وتنسجم مع تركيبتها النفسية والاجتماعية، تمامًا كطاهٍ عبقري يعرف أن كل طبق يحتاج إلى توابل خاصة تعبر عن هويته.
• وتمتزج الواقعية السحرية لغابرييل غارسيا ماركيز بتوابل الشرق الغريبة في «ماكوندو»، متقاطعة مع ثنايا حكايات ألف ليلة وليلة؛ إذ تصبح النكهات والروائح الغرائبية وسيلة للنجاة ومقاومة للفناء. ويرى المؤلف أن تقاطع نصوص الرحالة القدامى عن التوابل مع الليالي هو تقاطع منطقي؛ لتطابق مسار الرحلة وتشابه الأثر الحسي والغرائبي. فـ«ألف ليلة وليلة» تحولت هي نفسها إلى توابل شرقية لا نخطئ نكهتها الطاغية في الأدب العالمي.
• أما حلوى «المادلين» عند مارسيل بروست في روايته «البحث عن الزمن المفقود»؛ تلك القطعة التي مثلت المفتاح السحري الذي استدعى من غبار النسيان مدنًا، ووجوهًا، وأزمنة كاملة بمجرد أن لامست لسان البطل، مما يجعل الطعام في الأدب محركًا أساسيًا للحكاية ومخزنًا حيًا للذاكرة.
الكاتب «اللاعب» في مواجهة الكاتب «الشغيل»
يحلل المؤلف منطقة بالغة الأهمية في تقييم جودة الصنعة الروائية، وهي الجملة الأولى التي يعتبرها بمثابة رأس الرواية ومفتاح عهدها مع القارئ. هنا، يطرح رؤية مغايرة وممتعة في فعل التلقي؛ فالقارئ في نظره لا يحب الكاتب الذي يستعرض معاناته وجهده على الورق، إنما يحب «الكاتب اللاعب»؛ ذلك المبدع العبقري الذي يبذل جهدًا خرافيًا لكي يخفي هذا الجهد بالذات، ويُظهر للملأ أنه يلهو بركض الكلمات.
إنها تمامًا كمتعة الجلوس في مطعم فاخر؛ حيث نعرف من الطريقة الواثقة التي يقف بها الطاهي في مطبخه، والترتيب الصارم والمريح لطاولته، أي وعد شهي ينتظرنا حتى قبل أن يوقد ناره.
وتتحوّل القراءة عند القمحاوي إلى متعة تفاعلية، قوامها محاولة فرز البدايات، وتخمين حجم الجهد المخبوء خلف السطور. فالنص الناجح، كالطبق الفاخر، يُقدم بخفة وأناقة تنسيك طحن الحبوب وعجن الدقيق؛ لأن الرهان في النهاية يظل على الكاتب اللاعب الذي يمنحك دهشة اللعبة، لا الكاتب الشغيل الذي يثقلك بتعبه المنسكب على الحواف.
نهاية القول، إن الرهان الحقيقي الذي يطرحه هذا العمل يكمن في انحيازه التام لـ«الكاتب اللاعب»؛ ذلك المبدع الذي يملك شجاعة الطاهي العبقري في تقديم خلطته السحرية بأناقة ويسر، مخفيًا خلف كواليس السطور كل عناء العجن والطهي.
إن كتاب «الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر» ليس مجرد كتاب في النقد الأدبي، إنما هو «كتالوج» حسّي يفصّل في جودة الصنعة الإبداعية، ويتركنا كقراء أمام تساؤل شغوف ومستمر مع كل بداية نص جديد: هل نحن أمام كاتب يثقلنا بتعبه، أم لاعب يمنحنا دهشة اللعبة ويترك في أرواحنا نكهة لا تزول؟